السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
67
مفاتيح الأصول
لي الواجد يحلّ عقوبته وغرضه أنّه يدلّ على أن لي غير الواجد لا يحل عقوبته على حجيّة مفهوم الصّفة قال وقوله حجّة لأنه من أهل اللَّغة وأجيب بأن ذلك مبني على اجتهاده وليس فيما يقتضيه اجتهاده حجّة على غيره وهذا ربما يدلّ على أنّ الأصل في نحو قول أبي عبيدة والأصمعي والخليل والجوهري والفيروزآبادي وسيبويه والفرّاء وأضرابهم عدم الحجيّة لأنّهم مجتهدون لا ناقلون عن اللَّغة وظنّ المجتهد ليس بحجّة على مثله وفيه نظر لأنّ المعهود من سيرة العلماء قديما وحديثا جعل مثل أولئك ممّن شأنه تحقيق المطالب اللَّغوية نقلة لا مجتهدين والشواهد على ذلك كثيرة ومن تتبّع حصلها من غير ريبة فقد ظهر أن الأصل فيما يقوله اللَّغوي كونه خبرا عن أهل اللَّغة لا اجتهادا ولعلّ هذا هو السّر في الاكتفاء بمثل قول أولئك في إثبات اللَّغة وإن كان ظاهر عبارتهم عدم النّقل لأنّ المعلوم من طريقتهم ذلك ولا كذلك قول الفقيه لأنّ المعلوم من طريقته الاجتهاد دون الإخبار ولذا لا يكتفون بقول فقيه في المسألة الفقهيّة وبالجملة الأصل فيما يقوله اللَّغوي في اللَّغة كونه خبرا والأصل فيما يقوله الفقيه في الفقه كونه فتوى وإن اشترك عبارتهما في الظَّهور في الفتوى لأنّ الغالب على الفقيه الفتوى لعدم إمكان وصوله إلى من يمكن أن يخبر عنه بخلاف اللَّغوي فإن الغالب عليه الإحصار عن أهل اللَّغة لأنه ممّن يمكن أن يصل إليهم غالبا فتدبّر ثم إنّا لو سلَّمنا أن قول أولئك اجتهاد فنقول الأصل فيه الحجيّة لحصول الظنّ منه ولا يرد النّقض بقول الفقيه لأنّ الإجماع قد وقع على عدم اعتبار قوله فيخرج عن الأصل ويبقى غيره ولعلّ السرّ في التّفرقة إمكان تحصيل الظنّ الأقوى من الأدلَّة الفقهيّة غالبا والنّادر كالمعدوم بخلاف المسائل اللَّغوية فإنّ الغالب فيها خلاف ذلك كما لا يخفى مفتاح إذا وقع التّعارض بين القرّاء والنّحاة فيظهر من الحاجبي فيما حكاه عنه الجاربردي ترجيح الأوّلين فإنّه قال بعد الإشارة إلى الخلاف الواقع بين النّحاة والقرّاء في مسألة من مسائل الإدغام ما لفظه الأولى الردّ على النّحويّين في منع الجواز وليس قولهم بحجّة إلا عند الإجماع ومن القراء جماعة من النحويّين فلا يكون إجماعهم حجّة مع مخالفة القرّاء ثمّ لو قلنا إنّ القّراء ليس منهم نحويّ فإنّهم ناقلون لهذه اللَّغة وهم يشاركون النّحويين في نقل اللَّغة فلا يكون إجماع النّحويين حجّة دونهم وإذا ثبت ذلك كان المصير إلى قول القراء أولى لأنّهم ناقلون ممّن ثبت عصمته من الغلط في مثله ولأنّ القراءة ثبت تواترا وما نقله النّحوي آحاد ثم اعلم لو سلَّم أنّ مثل ذلك ليس بمتواتر فالقراءة أعدل وأكثر فكان الرّجوع إليهم أولى انتهى مفتاح اعلم أنّه إذا فقد النّص من أهل اللَّغة على الوضع فلا بدّ من الرجوع إلى أماراته وعلاماته وهي كثيرة منها التّبادر ولم أجد من الأصوليّين من يمنع من ثبوت الوضع به بل الظاهر اتّفاقهم على ذلك وقد تكرّر منهم التمسّك به في المسائل اللَّغويّة المتوقّفة على النّقل والمراد به على ما صرّحوا به هو أن يسبق المعنى إلى أذهان العالمين بوضع اللَّفظ المتحاورين به عند سماعه مجرّدا عن القرائن تحقيقا أو تقديرا والحجّة على ثبوت الوضع به بعد ظهور الاتّفاق عليه أمران أحدهما أنّ فهم المعنى من اللَّفظ لا بدّ وأن يكون لسبب وإلَّا لزم التّرجيح بلا مرجّح لتساوي نسبة الألفاظ إلى المعاني وذلك السبب إمّا الوضع أو القرينة فإن كان الأوّل فهو المطلوب وإن كان الثّاني فهو غير محلّ الفرض وثانيهما أنّ الوضع على ما صرّحوا به تخصيص شيء بشيء بحيث ما إذا أطلق الشّيء الأول فهم منه الشيء الثّاني فهم المعنى مجرّدا عن القرينة من لوازمه فيكون الاستدلال به من باب الاستدلال باللَّازم على الملزوم واعترض على ذلك بوجوه الأوّل أنّ فهم المعنى من اللَّفظ بدون القرينة موقوف على العلم بالوضع فلو توقف العلم بالوضع على فهم المعنى بدون القرينة لزم الدّور وهو باطل الثاني أنّ المجاز المشهور يتبادر من اللَّفظ وليس بحقيقة الثّالث أنّ المدلول التضمني والالتزامي يتبادران وليسا بحقيقتين الرّابع المفاهيم كمفهوم الشّرط والقيد تتبادر وليست بحقائق الخامس الأفراد الغالبة في الإطلاقات تتبادر وليست بحقائق والجواب عن الأوّل أنه إنّما يلزم لو كان المراد تبادر الجاهل بالوضع بمعنى أنّ الجاهل بالوضع يستدلّ في استكشافه الوضع بالتّبادر الحاصل له وهو باطل فإن ظاهر كلمات القوم أن المراد تبادر العالم بالوضع بمعنى أن الجاهل به يراجع العالم به ويلاحظ فهمه بالنّسبة إلى ذلك اللَّفظ بأن يلقى إليه مجرّدا عن القرينة من غير سؤال عن معناه فما فهمه منه فهو المعنى الحقيقي على أنا نمنع الدّور أيضا وكان المراد تبادر الجاهل لأنا لا نسلَّم توقّف الفهم على العلم بالوضع فإنّ الاشتهار يقتضي تبادر المعنى وفهمه من اللَّفظ المجرّد قطعا لحصول المؤانسة الموجبة للتفاهم والتفاهم للاشتهار لا يوجب العلم بالاشتهار فضلا عن العلم بالوضع وتحقيقه أن وضع اللَّفظ أنّما يكون بتعيينه بإزاء المعنى أو لتحقّق الغلبة والاشتهار فيه وعلى الثّاني فالسّبب في الفهم هو نفس الغلبة والاشتهار وكذا على الأوّل إن كان فهم المعنى بعد حصول الأمرين وأما إذا كان قبلهما كما في أوائل الاستعمال